ما وراء الرؤيا بقلم الكاتبة والأديبة الدكتورة جعدوني حكيمة
- Obtenir le lien
- X
- Autres applications
ما وراء الرؤيا
بقلم الكاتبة والأديبة الدكتورة جعدوني حكيمة
من رواية ابليس الرسول نبي الظلام
اندحر الشرّ التليد، وهلك وخسر معركته الشرسة على يد سليمان الملك، ابن الخليفة داوود، حاكم الأرض المقدّسة. يمضي الزمن في دوراته، ويعود، ويبقى الدجّال المحتال محتجزًا في العالم السفلي مع القوم المفسدين، إلى أن يبعث الله رجلًا صالحًا من ذرّية إسماعيل النبي، فيبيدهم عن بكرة أبيهم.
ذلك الذي قام مع والده إبراهيم الرسول بإعادة بناء المسجد الحرام ببكّة، وأقاما الصلوات فيه بعدما رفعا القواعد من البيت.
فماذا تعرف أمّة الجنّ والإنس عن النبي إسماعيل؟
حين كان إبليس في الجنّة بين الملائكة، بلغته معلومة عن أحد أبناء آدم: إسماعيل النبي. أدرك الخطر الكامن في اكتمال قدره، فعزم على منعه من بلوغ غايته. وصمّم أن يحول بينه وبين حدوث ذلك بشتى الطرق، وفعلا؛ تلهّف لليوم الموعود، وانغمس في انتظار طويل، يتوسّل ويتضرّع إلى ربه أن يُسلَّط عليه، وأن يؤذن له بأذيته.
وفي غمرة ذلك، رأى إبراهيم الرسول في منامه رؤيا الذبح. رؤيا أُذِن للشيطان بها، فالتبس أمرها على المفسّرين، فحُمِلت على أنّها أمر إلهيّ مباشر.
وكان محمد الرسول يُوحى إليه نبأ ما كان قبله وخبر ما سيكون بعده، فرأى فتح مكّة، ورأى فتحًا آخر بعدها؛ وكانت رؤيا إبراهيم وإسماعيل فتنة متّصلة بسرّ الفتح ذاته.
مضى إبراهيم إلى ابنه وقال: يا بنيّ، إنّي أرى في المنام أنّي أذبحك، فانظر ماذا ترى.
قالها وترك له مساحة الاختيار، ففهِمها اِسماعيل وأدرك ما يلمّح إليه إبراهيم والده؛ فلو كان الأمر وحيًا قاطعًا لما كان للتخيير موضع. كونهما من زمرة الأنبياء المعصومون؛ الذين لا يخطئون. واستبان حضور الشيطان مترصّدًا ما سيفعلان.
التمس إبراهيم الرسول من اِبنه بعدما رضي ووافق على رؤيا الذبح.
خرجا معًا إلى موضع الصخرة المرتفعة. امتثل إسماعيل، ووضع عنقه عليها، وانحنى في هيئة ركوع، رأسه مائل نحو الأرض، وإبراهيم يقف إلى جانبه، يوجّه السكين من أسفل إلى أعلى.
اِنسجم النبي اِسماعيل مع وضعية الركوع ورأسه يميل نحو الأرض، شبه متدلّي ووالده إبراهيم الرسول يقف إلى جانبه، ويمسك السكين ويوجّه يده إلى عنق اِسماعيل النبي من الأسفل، ثم راح يجذب الخنجر ويحرّكه وهو يسحبه من الوريد إلى الوريد وعليه؛ يكون إبراهيم الرسول مستقبلا القبلة واِبنه اِسماعيل النبي أيضا؛ وثمة يكمن الخداع .
الدهاء في توجيه الوجهين نحو القبلة؛ والشيطان منذ هبوطه إلى الأرض لا يولّي وجهه إليها. استغلّ إبراهيم تلك الثغرة، فأوهم إبليس أنّ الذبح قد تمّ. وحقيقة ما جرى لاحقا؛ غيّرت مجرى التاريخ.
وفي اللحظة الموقوتة ناداه الإله:
قد صدّقت الرؤيا.
لقد أدركتَ حقا أني أنا من أذِنت للشيطان بتلك الرؤيا المشؤومة،
وفُدي إسماعيل بكبش عظيم.وبدأ إبراهيم الرسول يذبح الكبش، سال دمه، والشيطان يرى تدفّقه، يلعقه بنهم، جامعًا إيّاه بكفّيه، مولّيًا ظهره للمسجد الحرام. وهو يحسب أن اِسماعيل النبي ذُبِح، كان ذلك مبتغاه. وبينما هو غارق في وهم الانتصار، حينما جعل إبراهيم الرسول يصدّق الرؤيا أنها من الإله.
فُتحت أبواب السماء، وتنزّلت الملائكة برفقة الروح الأمين، فرفع جبرائيل إسماعيل إلى العلا، آمنًا، والشيطان مُلهى بالدم الذي حسبه دم النبي.
تلك اللحظة الحاسمة؛ كان اِستبدال اِسماعيل بالكبش الكبير فيها الهدف منه؛ جعل صعود اِسماعيل إلى السماء آمنا، بينما الشيطان مُلهى ومنغمس في شرب الدم، الذي نزف ولم ينفذ بسرعة.
عرج جبرائيل المَلَك به إلى السماء السابعة، ثم إلى المقام المحمود، حتى كرسيّ العرش العظيم. تراجع المَلَك عند سدرة المنتهى، وترك إسماعيل ساجدًا بين يدي الله.
رفع رأسه، وعرقه يتصبّب، فغمره نور العرش ونور الملائكة المقرّبين، فأُغشي عليه. وحين أفاق، أبصر اسمه مكتوبًا عند الكرسي؛ الاسم الذي خشي إبليس تحقّقه، وسعى منذ الجنّة إلى إجهاضه. غرض مقدّس؛ كان وراء فتح مكّة أول مرة وسيكون وراء فتحها للمرة الثانية.
تمّت المسرحية. اكتملت تمثيلية الذبح العظيم بحيلة أربكت مخلوق الشرّ، وجعلته يلعق دم كبش فداء، قُدِّم قربانًا للإله كان قد قدّمه هابيل من قبل. ومن هناك، تغيّر مجرى التاريخ.
:التوثيق الدولي
- Obtenir le lien
- X
- Autres applications

Commentaires
Enregistrer un commentaire