هل اليهودي يقاتل في فلسطين؟ الأديبة والمفكرة الدكتورة جعدوني حكيمة
هل اليهودي يقاتل في فلسطين
عندما
يظهر الرجل اليهودي في وسائل الإعلام، يقدّم غالبا بملامح ثابتة، القبعة السوداء،
السوالف المتدلّية، القميص الداكن، لفافة كتابه المقدّس بين يديه، أو جسده المنحني
في طقس الصلاة أمام حائط البراق في القدس. هذه صورة «اليهودي» في الوعي العالمي.
لكن الغريب
أن هذه الهيئة ذاتها لا تقترن أبدا بالسلاح، ولا تعرض وهي تخوض القتال أو تشارك في
العمليات العسكرية.
في
المقابل، عندما يعرض الجندي الاسرائيلي المسلّح، يقدّم مباشرة على أنه «يهودي»،
دون مساءلة للهوية. هنا يبدأ الخلط المقصود بين اليهودي باعتباره كيانا دينيا،
وبين المقاتل كونه أداة عسكرية.
إن
الفصل بين الصورتين يعدّ ضرورة فكرية وأخلاقية اليهودي المتديّن، كما يظهر في
المجال العام، يعيش خارج منطق الجندية أصلا لأنه غير مؤهلا لها. نمط حياته، يجعله
بعيدا عن الخدمة العسكرية والتجنيد القتالي. هذا التيار لا ينخرط في المعسكرات، ولا يتدرّب على
السلاح، ولا يرى في الحرب فعلا منسجما مع منظومته العقدية.
الواقع
داخل الكيان الإسرائيلي يعرض شواهد واضحة، الاحتجاجات المتكررة داخل المجتمع
اليهودي المتديّن في الإعلام تعبّر عن رفض
واسع للتجنيد الإجباري، وعن قطيعة تامة مع فكرة القتال وتكشف تصدّع السردية
الرسمية.
السؤال
المطروح: من يحمل السلاح في إسرائيل ضد المدنيين الفلسطينيين؟
تتبلور
المأساة الحقيقية بعيدا عن المشهد المتداول، وتتفجّر من فضاء الحلفاء قبل أن تُلصق
بالهوية الدينية اليهودية ذاتها فاليهودي
المتديّن، ضمن بنيته الاعتقادية، يتحاشى تلويث يديه بدماء الفلسطينيين في أرض
يعدّها أرض الرب، ويصنّف ذلك الفعل ضمن المحرّمات العويصة في ميزان الإثم والوزر
الجسيم، يثقل الكفّة الأخلاقية في سجل الخطيئة. ومن هذا التصوّر يتولّد سلوكا
مراوغ وملتوي وخبث معهود، قوامه التفويض بالقتل، وتوزيع الجريمة على أيد مستأجرة،
تؤدّي الدور كاملا دون أن تحمل الاسم في الممارسة الدينية اليومية، تظهر آليات
التحايل جلية في يوم السبت، تتوقف أفعال الإيقاد، ويستجلب شخص آخر لإنجاز الفعل نيابة.
في
مشاهد أخرى، يستباح المحظور كما أكل الميتة تحت غطاء رمزي، حيث تغطّى الرؤوس بزعم
الحجب عن رؤية الإله لهم. هذه الذهنية
نفسها تسقط على ساحة الحرب، فتسيّر المجازر عبر وكلاء، وتموّل الدماء بأرصدة بعيدة
عن المشهد.
الميدان
الفلسطيني يعجّ بمرتزقة وافدة، أصولها متشعّبة، وجذورها ممتدّة عبر قارات شتّى.
هؤلاء يستقطبون سرا،
ويدرّبون
ضمن تشكيلات نظامية، ويمكثون فترة محدودة، ثم يعود كلّ إلى بلده محمّلا بالمقابل
المالي. هكذا يتكوّن جيش بالوكالة، يعمل داخل الكيان المدني، ويؤدّي الوظيفة
القتالية كاملة دون أن تنسب الدماء إلى أصحاب القرار الإسرائيليين.
للأسف
الشديد هذا ما يحدث، فالإسرائيليون بريؤون من سيلان الدم في أرض العرب لأن من يقتل
هم الذين وكلوا بالأمر.
بهذا
المنطق، تتكوّن سردية جاهزة للتداول لاحقا، ملف يفتح أمام الإعلام، ورواية تبسط
أمام الرأي العام، وخطاب يسوّق للعالم مفاده أن القتل
جرى بأيد مستأجرة، وأن الفاعلين قدموا من كل أصقاع الأرض. عندها يتغيّر المشهد إلى
تعاطف كلّي مع الإسرائيليين، ويقف العالم
صفّا واحدا خلف هذه الرواية المصقولة، بينما العدو الحقيقي كيان آخر.
في
هذا السياق، تتجسّد المفارقة القاسية، من جاؤوا للقتال يحملون ضغائن دفينة،
وكراهية قديمة، ونزعات عدائية تجاه الإسلام والمسلمين.
وجدوا في فلسطين ساحة تفريغ، فمارسوا القتل، والتمثيل، والسحق، بما يختزنونه في
دواخلهم منذ زمن طويل. لذلك بلغت الجرائم
هذا الحدّ من البشاعة، لأن الفاعل يحمل ثأرا أزليا، عند اكتمال هذه اللوحة، يتكوّن
اصطفاف جديد: العالم في موقع النصير لليهود، والأعراب عنوان للعداء المعلن. في هذا
المسرح الدموي، اليهودي
المتديّن لا يقاتل، وقاتل الفلسطيني لا يعرف. من يزرع الموت يظل مجهولا، بينما
الضحية واضحة، فلسطين، رمز الظلم المستمر، وسجلّ أخلاقي يثقل تاريخ البشرية.
يتجدّد عندها تركيب الخصومة، ويعلن العدو الحقيقي على أنه الفئات التي مدّت يدها للمشروع
القتالي، وشاركت في الحرب من موقع القوة الوافدة.
:التوثيق الدولي

Commentaires
Enregistrer un commentaire