هل سعى اليهود إلى دولتهم بجدية تفوق سعي المسلمين إلى دولتهم؟ الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني
هل إيمان اليهود بالربّ أقوى من إسلام المسلمين بالله؟
الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني
لماذا لا يسعى المسلمين إلى إقامة دول إسلامية كما سعت اليهود بكل جهدها إلى إقامة دولة اسرائيلية، هل كان إصرار اليهود أقوى وأشدّ حضورا من لا إكتراث المسلمين ؟ أم أن هناك ما هو خفي يتوارى خلف مظهر التديّن المزيف، وإن المسلمين يكفرون في سرّهم ويظهرون إسلامهم أمام الناس؟ أين الحقيقة؟ إذا كان المسلم يردّد إيمانه بعلانية، ما الذي يمنعه من بذل كل جهده، وجلّ وقته، وماله: درهما ودينارا، لإقامة دولة إسلامية؟ لماذا اندفع اليهود لإقامة مشروعهم بكامل طاقاتهم.
أين يكمن الفرق؟
جدلية الحق و الباطل في الوعي الإنساني، تظل إشكالية الدولة الإسلامية تمثل معضلة كبرى في الوعي الجمعي للمسلمين، فبينما تنطلق الرؤية من مفهوم الدولة التي تتجسّد فيها أحكام الكتاب والسنّة، قانونا وشريعة، ترتكز على القيم الإسلامية في العدل والشورى والمساواة كأساس لنظام الحكم، ينهض بإنسان مهتد إلى غايته. غير أنّ هذا النموذج ظلّ معلّقا في فضاء المثال، بينما الواقع يشهد ابتعادا مطّردا عن كل ما يجعل الدولة الإسلامية ممكنة.
وتنبثق الأسئلة بحدّة لافتة: لو كان أتباع الديانة الإسلامية يعتصمون بروح الإسلام، لماذا لم يتجلّ فيهم شوق صادق إلى إقامة دولة تحتكم إلى القرآن والسنّة؟
أين مشاريعهم التربوية؟ أين مؤسساتهم التي تعدّ الإنسان ليكون أهلا للرسالة؟
أين المؤتمرات التي تبرز فيها الرؤى الهادفة، والندوات التي تناقش فيها الأولويات، والأموال التي تستثمر في بناء مجتمع يحمل وعيا يتجاوز اللحظة العابرة؟
ما الذي يشغل نقاشاتهم؟ وما الذي تعبّر عنه خطاباتهم؟ وإلى أي اتجاه تتجه نواياهم؟
هل خرجوا يوما في إضراب عام أو مسيرات تطالب بتطبيق ما يعلنون تقديسه؟
هل اشتعل في الوجدان حماس لتأسيس منظومة تحكمها التعاليم التي يؤمنون بها في العلن، أم بقي ذلك الالتزام مجرّد واجهة ترضي الضمير الاجتماعي لا أكثر؟
لماذا غاب فعل المسلمين على أرض الواقع؟ لماذا قناعاتهم في غير مسارها الذي فطرت عليه؟ لماذا يعيشون ازدواجيّة؟
تلك الازدواجيّة التي يعيشها المسلم المعاصر تنشئ مسافة خطيرة بين ظاهر يعلن الإيمان، وباطن ينجذب نحو عالم آخر، عالم تتقدّمه قوى الظلام وأتباعها. عالم يخطّط بلا تردّد، ويبسط سلطانه بلا انقطاع فوق الأرض، حتى صار مشروع إبليس والدجّال حقيقة معاشة ولا تحتاج إلى دليل.
فكلّ ما يغضب الإله حاضر في البلاد الإسلامية حضورا يدوّنه التاريخ. النفوس مستعدة لاحتضان كل ما يهبط إليها من عقاب إلهي، وكأنها فقدت بوصلتها التي كانت تتّجه يومًا نحو السماء.
يعزى الجواب إلى وقائع التاريخ وتعقيدات الواقع أكثر من ارتباطه بالعقيدة نفسها، فهي ثابتة لا تتغيّر.
لم تسر المجتمعات الإسلامية عبر رحلتها التاريخية في مسار مستقيم، وإنما تعرّجت بها السبل، غير أنّ هذا التعقيد لا ينهض حجّة تُبرّر غياب الدولة الإسلامية الموحدة.
فاللجوء إلى شماعات الاقتصاد، أو تعليق العجز على سرديات الخصومة المذهبية والنزاعات السياسية، لا يغيّر من الحقيقة شيئا.
فالحقيقة تنطق وحدها: واقع يزخر بالثروات التي تتدفّق بلا انقطاع، وأمام وفرة تحيط بالمسؤولين والشعوب وتمنحهم رخاء لا يعرف الخوف، تتلاشى حجج الفقر والضيق والاضطراب.
العدو الذي يتوهمونه ويرسمونه في خيالهم لم يدخل حدودهم يوما؛ فعدوهم يسكن في داخلهم، ما هو إلا أنفسهم، ينخر وعيهم، ويقودهم إلى الخراب الذي صنعته أيديهم.
فتحوّل العجز المتراكم إلى فتن متلاحقة جعلت تحقيق الدولة الإسلامية أشبه بمعجزة مستحيلة، لا مشروعا سياسيا قابلا للتجسّد، وهكذا صار الحلم ثقيلا، تتكدّس فوقه أوزار الأجيال وخلافاتهم عبر العصور.
نشأت مؤسسات هشّة، وقيادات انشغلت بإعلاء الذات، بينما تراجعت روح النصرة لرسالة محمد الرسول.
تتعدّد أعذار المجتمعات الإسلامية كلّما ذكرت فكرة الدولة التي تقام على أسس القرآن. فهم يمتلكون ما يجعل بناءها ممكنا، إلا أن الإرادة التي تنفق في سبيلها منعدمة تماما عن الفعل. هنا يبرز التباين مع إسرائيل التي حققت مشروعها الديني بصلابة نادرة؛ بتكاتف من كل فرد يهودي، قدّموا ذواتهم وأموالهم وميراثهم الروحي من أجل قيام الكيان الذي أرادوه، فصار العالم يحترم السامية، ويدافع عن عقيدتهم باعتبارها هوية مصانة بقوانين دولية صارمة، ويعاقب كل من يتجرّأ عليهم.
أمّا المسلمين، فقد ابتعدوا عن دين الإسلام الذي جمعهم يوما، فرقوا دينهم وصاروا أعداء لبعضهم البعض. اختاروا صراع المذاهب، وأداروا ظهورهم للآيات التي حملت رسالتهم الأولى. انغمسوا في الملذّات وتنكّروا لدينهم وصاروا فسّاقا. امتهنوا كل المحرّمات التي لا تليق بأمة القرآن، إلى أن غلبت على سلوكهم عادات دخيلة، تقلب الفطرة السليمة، وتدفع بالضمير إلى الفناء. فباتت تعاليم القرآن مركونة في رفوف بيوتهم، بينما واقعهم يغرق في فوضى تقصي مقدّساتهم.
هل لأن القلوب تنتمي في الخفاء إلى عالم إبليس، وتتنكّر في العلن بثوب الإيمان؟
فالحماسة لإقامة دولة القرآن خافتة حدّ الذوبان، واللسان لم ينطق يوما بتمنّ جاد لإقامتها، حتى ولو في سياق المزاح.
وفي الضفّة الأخرى من الوعي الإنساني، تتجسّد أمامنا منظومة عالمية متماسكة تحشد أدواتها بدقّة عجيبة؛ منظومة يتبعها أتباع الدجّال والشيطان، أقاموا لهما دولة وجعلوها عالمية النطاق، تتقدّم بخطى ثابتة نحو السيطرة. تمتلك رؤية استراتيجية لا تعرف الإرتباك، ونظاما حديديا، وقوة تتقن صناعة الإغواء وإعادة تشكيل الوعي العالمي بوسائل المال والإعلام والذكاء التقني. هي دولة ليست عقائدية بقدر ما هي آلة نفوذ عابرة للحدود، استطاعت أن تفرض وجودها في كل بقعة من الأرض.
ويبرز هنا السؤال المصيري والفاصل: لماذا ينجذب الإنسان إلى "دولة الشيطان" بدلا من "دولة الله"؟ لماذا يميل الإنسان إلى عالم الباطل أكثر من ميله إلى عالم الحق؟
الجواب يسكن في الطبيعة الإنسانية حين تنفصل عن الهداية.
فالإنسان يميل نحو القوة المنظّمة، حتى ولو اتصلت بمصادر الظلام وانفصل وعيه عن منهج الله.
ومع غياب النظام الذي ينبغي أن يحمله مشروع الحق، يظلّ القرآن بلا دولة تحمله، وتظلّ الرسالة معلّقة في رقاب أمة لم تتوحّد على إرادة واحدة.
فضعف التنظيم، وتشتت المقاصد، وانشغال الأمة بالصراعات الداخلية، يؤدي حتما إلى غياب الدولة الإسلامية الجامعة التي تحمل رسالة القرآن وتُجسّد قيمه في منظومة القانون. فيظلّ نظام القرآن بلا دولة تليق به، وتبقى الرسالة معلّقة في رقاب أمة لم تتوحّد على إرادة واحدة.
وهكذا تنقلب المعادلة فتقودنا إلى مفارقة مأساوية: أمة تمتلك رسالة سماوية لكنها تفتقر إلى النظام، تقف عاجزة أمام مشروع عالمي يمتلك نظاما محكما ورسالة لعقيدة مادية واضحة، يكفيها انضباط الهدف، ودقّة التخطيط، حتى بسطت سيادتها في كل رقعة من الأرض.
إن المسلمين لم يجتمعوا على كلمة واحدة، رغم سمو الهدف ووضوح الغاية. مما يقودنا إلى استنتاج واحد وهو أنهم أتباع الشيطان، حماس منعدم ولا صلابة في الإدارة لبلوغ الهدف، لأنهم لم يقيموا دولة الله على أرضه، والتاريخ يبيّن ذلك. هناك إخلاص في النوايا، لكنه لم يترجم إلى أداء عملي، وهناك تقصير في التنفيذ، يعكسه واقع التشرذم والانقسام.
وفي المقابل، يمثل المشروع العالمي المعادي نموذجا للعمل المنظّم والمتقن، حيث يعمل وفق ترتيب صارم ورؤية واضحة لا تضعف تحت أي ظرف. لا يقابله على الجانب الآخر دولة إسلامية موحّدة تتمتع بنفس المستوى من التنظيم والجدية.
وهكذا تثبت الوقائع درسا بليغا ومريرا:
الأمم التي تتّحد على هدف راسخ تُشيّد دولا ذات نفوذ، هدفهم موحّد. بينما الأمم التي تتشت عن هدفها وتتمزّق داخليا، تفقد القدرة على تأسيس دولة إسلامية جامعة وبلوغ رسالتها، مهما كانت الرسالة عظيمة.
إن المسألة تتجاوز حدود الاتهام البسيط، لتشكل قراءة في واقع تاريخي متجذر وطويل من الفرص الضائعة، فحلم الدولة الإسلامية لم يتعثر لعجز في الفكرة، وإنما من ضيق إرادة شعبها. فمشروع الدجّال وإبليس امتلك قدرة تنظيمية رهيبة، ومثابرة لا تتوقف أمام الحواجز، أما مشروع الحقّ فما يزال ينتظر لحظة التحقّق؛ ينتظر أمّة تتّقد في قلبها جذوة الإيمان، وتستعد فيها الإرادة، وتتوحّد فيها الكلمة، لتبني مستقبلا يليق برسالة القرآن.
وفي قلب هذه القراءة يلتقي العالمان:
عالم يختار طريق الهيمنة والقوة عبر "دولة الدجّال" عالم يسير بمنطق الهيمنة، وعالم ينتظر صحوته عبر “دولة الله”، يترقب ساعة الصفر التي تنهض فيها المجتمعات الإسلامية من سباتها، متّحدة متجانسة، وقادرة على على أن تبزغ في سماء العالم المظلم، حاملة مشعل الهدى، ليعيد للميزان كفته الأصيلة، مجسّدة أخيرا دولة الحق التي طالما حلم بها المصلحون، وانتظرها المستضعفون، وتاقت إليها روح الأمة عبر العصور.
التوثيق الدولي:
https://alakhbrianews.blogspot.com/2025/11/blog-post_450.html

Commentaires
Enregistrer un commentaire